الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

24

المنقذ من التقليد

فظاهر أيضا . وذلك لأنّا نعلم ضرورة أنّ الجسم المتحيّز لا بدّ من أن يكون إمّا واقعا في فراغ أو مارّا فيه ولا يعقل إلّا كذلك ، ولهذا إذا فرضنا جسمين علمنا ضرورة أنّهما إمّا أن يكونا متماسّين أو غير متماسّين ، وإذا فرضناهما غير متماسّين فإمّا أن يكونا متقاربين أو يكونا متباعدين ، وكلّ هذا يشعر باستحالة وجود لا في جهة ، وهو المعني بخلوّه عن هذه الأعراض . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال كانت هذه الأجسام موجودة لم يزل ولم تكن متحيّزة فكانت خالية من هذه الأعراض ، ثمّ لمّا تحيّزت ، اختصّ بها هذه الأعراض ولم تنفك بعد تحيّزها عن هذه الأعراض ؟ قلنا : هذا إنّما يتوجّه على من يجعل المتحيّز أمرين ذاتا « 1 » وحالا ، فيقال له : هلّا كانت الذات ثابتة ولم تكن متحيّزة ثمّ تحيّزت ؟ فأمّا نحن إذا ذهبنا إلى أنّ المتحيّز أمر واحد لا يتوجّه علينا هذا السّؤال ، لأنّ ذلك بمنزلة أن يقال : هلّا كانت متحيّزة ولم تك متحيّزة ، أو هلّا كانت ثابتة ولم تك ثابتة ، وهذا خلف من الكلام . فإن قيل : لم قلتم إنّ المتحيّز أمر واحد ، وليس ذاتا وحالا ؟ قلنا : بيان ذلك أنّه لو كان ذاتا وحالا لوجب فيما علم المتحيّز من طريق الإدراك على ضرب من التّفصيل ولم يذهل عن علمه به ، أنّه يجد من نفسه أنّه يعلم أمرا مضافا إلى أمر كما إذا علم المتحيّز متحرّكا ، فإنّه يجد من نفسه أنّه يعلم إضافة معقول هو المتحرّك إلى معقول آخر « 2 » هو المتحيز . وكما إذا عرفه أسود ، فانّه يجد من نفسه أنّه يعلم إضافة معقول هو الهيئة إلى معقول آخر هو المتحيّز ، ومعلوم أنّه لا يجد في علمه بالمتحيّز مثل هذا .

--> ( 1 ) م : دائما . ( 2 ) آخر ، ليس في ( م ) .